فن التلميع : صحيفة حريات

فن التلميع : صحيفة حريات

الخميس  14  سبتمبر  2017

September 14, 2017  

 د.أمل الكردفاني
فن التلميع هو من أكثر الفنون ارتباطا بالرأسمالية سواء من ناحية سياسية ام فنية او اقتصادية ، وهو فن تجيده قلة من الدول كأمريكا وفرنسا ، وهو محصور عربيا في مصر ،  وفن التلميع هو القيام بنفض الغبار عن كيانات طبيعية او اعتبارية سواء كانت ذات قيمة ام لا ..ومنحها قيمة معينة وتسليط كل الأضواء عليها بحيث تستطيع ليس فقط ان تبلغ شهرة محلية بل اقليمية ودولية. الرأسمالية هي التي اهتمت بهذا الفن ، وبدأته بفكرة الدعاية والاعلان عن المنتجات أو الخدمات ، حيث تقوم بتسليط الأضواء بشكل مكثف اعلاميا على السلعة أو الخدمة ،  عبر استخدام دعاية مستمرة وبأبعاد وزوايا مختلفة حتى تجذب انتباه أكبر شريحة ممكنة.. فعبر فن التلميع ظهر لنا كنتاكي ومكدونالد ونايك وأديداس وكارفور وتوم كروز وأوباما وخلافه ، اشخاص ، سلع ، خدمات ، في كل المجالات الرياضية والسياسية والثقافية ..الخ ، وكما قلت فلا يشترط ان يكون دجاج كنتاكي هو الأفضل واقعيا ولكنه الأفضل دعائيا . أوباما مثلا كان شخصية مغمورة في الحزب الديموقراطي ، وفجأة وخلال أسابيع من نشر ترشح رجل أسود لرئاسة الجمهورية وتضخيم مقدرات هذا الرجل اعلاميا ، صار أوباما رئيسا لأمريكا حتى قبل أن تبدأ الانتخابات.. فالمقصود هو اختيار رجل المرحلة الجديدة التي سيحاول فيها اصلاح سمعة أمريكا التي تشوهت وتشيطنت في عهد بوش الابن . والولايات المتحدة تملك تلك القدرة على التلميع ثم تدمير ما تم تلميعه اذا خالف شروط المرحلة أو رأى واضعوا السياسات ضرورة تغيير استراتيجيتهم السياسية حول العالم وداخليا. ترامب واجه تبخيس ومحاولة تدمير مستمرة من قبل الاعلام الأمريكي في مرحلة الانتخابات ، لكنه كان رجل ذو خبرة ففي الوقت الذي كانت تتصيد له وكالة اخبارية ك CNN أي سقطة كان هو يواجهها عبر وسائل جديدة كوسائط التواصل الاجتماعي ، ساعدته على ذلك امكانياته المالية الضخمة ، وتصريحاته المتواصلة شديدة الغرابة والتي عكست للناخب الأمريكي مرشحا مختلفا عن سابقيه ، فالناخب الأمريكي كان يشعر أنه خاضع لتلميع وسائل الاعلام ومحشور في مصيدتها بحيث لا يرى سوى ما يراد له أن يراه..
فن التلميع قديم جدا في دولة كمصر ، وخاصة في مجالات السياسة والفن والادب.. ، كان كل مطرب عربي يلجأ لمصر لبلوغ الشهرة حيث يتم تلميعه وعرضه على الجماهير ، أم كلثوم مثلا لم تكن سوى مغنية شعبية تغني في الموالد ؛ ومع ذلك تحولت لكوكب الشرق ، جواهر فتاة سودانية لا تملك اي شيء ، فجأة تم تلميعها لتصل الى الشهرة الاقليمية الواسعة ،  بدر خان كان ممثلا في السودان ثم انتقل الى مصر فنال شهرة على المستوى العربي ، … سياسيا كانت خطب جمال عبد الناصر تنتشر كالنار في الهشيم وكان الاعلام المصري باذاعاته المختلفة يجذب كل الشباب الثوري العربي . يمكن لجريمة عادية في مصر أن تكون حدثا اعلاميا كبيرا في وسائل الاعلام العالمية والعربية ، في حين أن جريمة أكثر جسامة في السودان لا تجد لها أي صدى خارجيا.
دولة كالسودان من المستحيل أن تبلغ هذا الفن ؛لعدة أسباب ، أهمها ان فكرة تلميع الآخر نفسها غير مقبولة سايكولوجيا لدى الانسان السوداني ، لاحظ أن شخصيات سياسية تاريخية ظلت تحاصر أي محاولات للخروج من عباءتها كرموز دينية وسياسية ، الصادق المهدي لم يسع يوما لتلميع أي شخص من داخل حزبه سوى ابنائه وبناته ، الميرغني ذات الحال ، الترابي كان يحطم أي محاولة لتجاوزه باعتباره المفكر الاسلامي الأول وحتى عندما خاف من محمود محمد طه قام باعدامه ، بل حتى على مستوى الطرق الصوفية حيث لا يخرج من صلبها قادة جدد خلافا لأبناء شيخ الطريقة ، وكل من يحاول الاشرئباب بعنقه خارج الظلمة بحثا عن الأضواء والظهور تتم مباشرة عمليات تحطيمه عظمة عظمة ومفصلا مفصلا ، أغلب من يعتبرون رموزا علمية او سياسية صنعوا أنفسهم لأنفسهم فقط ، لم يحاولوا أن ينجزوا مشاريع قومية ذات فائدة للشعب وللدولة ، والانسان السوداني عموما يغلب على طبعه الحسد الشديد ، لذلك لا يسمح بأي انفلات لدائرة الضوء من عقاله ، ولذلك ففن التلميع في السودان مستحيل . كذلك فإن فن التلميع في السودان بحتاج لمؤسسات قوية و ضخمة وذات تاريخ عريض ، في حين أن مؤسساتنا كلها بما فيها الاعلامية مؤسسات إما ضعيفة أو تحت الاحتكار ، بحيث لا يسمح لأي دماء جديدة أن تضخ فيها الا بشق الأنفس وبعد واسطات ثقيلة. فالاعلام مقفول على اعلاميين محددين ، والبزنس على رجال اعمال معينيين ، فسياسة التمكين لم تكن وليدة حكم الاخوان المسلمين بل هي سياسة متبعة منذ الاستقلال ، وما قبل الاستقلال ، حيث بدأت الاحتكارات الأسرية ، والاحتكارات السياسية والاقتصادية .  وتتم ممارسة الاقصاء والتدمير المتبادل منذ المهدية وحتى اليوم .
فن التلميع في الواقع يحتاج لدولة مؤسسات ، ودولة ذات تاريخ كبير ، كما يحتاج الى شعوب منفتحة على الجديد ، وانسان واثق من نفسه ، وانسان لا يخاف من طموحات الآخرين.

Share

التعليقات

( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)


Source link