الرئيسية / الاخبار السياسية / الترحيب بالغزاة: ما أشبه الليلة بالبارحة!

الترحيب بالغزاة: ما أشبه الليلة بالبارحة!

د. النور حمد

لكي يقرأ المرء التاريخ، ويأخذ منه العِبَر يحتاج عقلاً راجحًا، ومحايدا. وهاتان السمتان للعقل، لا تتوفران لكثير من الناس. ويصعب توفرهما، بصورة أخص، لدى الطغاة، الذين تعميهم خمر السلطة. فكل حاكمٍ يرى أنه استثناء من القاعدة، وأن ما انطبق على الآخرين، لا ينطبق عليه. لم يعتبر القذافي بسقوط صدام، وبن علي، ومبارك، وحاول السباحة، بعناد، عكس مجرى الأحداث الواضح، وعكس تيار التاريخ، إلى أن لقي تلك الميتة الشنيعة المتلفزة. وبقي جسده المشوَّه، ملقىً في حاويةٍ مبرّدةٍ، ليتفرج عليه الناس لعدة أيام. وتبعه في ذات العمى الفكري، والروحي، علي عبد الله صالح. فمات، هو الآخر، ميتةً شنيعةً، وعرض قاتلوه صورته، بجمجمةٍ مثقوبة، بانت من خلالها طيات دماغه. وظلت القنوات الفضائية تعيد بث تلك الصورة الشنيعة للناس، لبضعة أيام.

تدل كل تلك النهايات المأساوية العنيفة، على أن الطغاة مبتلون بعمى فكريٍّ وروحيٍّ، مهلك، ابتداءً، في العصر الحديث، بهتلر، ثم موسيليني، ثم شاوشيسكو، وانتهاءً بصدام، والقذافي، وعلي عبد الله صالح. الشاهد، أنه لا استثناء في النهايات المأساوية للطغاة، وغيرهم من فارضي إرادتهم على الناس بالعنف. وهذا عين ما قرره السيد المسيح، عليه السلام، مرة واحدة، وإلى الأبد، حين قال: “من أخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ”.

جاءت هذه المقدمة القصيرة، للإشارة إلى هذا النوع من العمى المُهلك، المفضي بأهله إلى الموت الشنيع، الذي تعقبه لعنات التاريخ. أما بقية هذا المقال، فهي استرجاع لحقبتين من تاريخ السودان، اتسمتا بالظلم الفادح، والعسف، وانحلال قوى الدولة، وتفرُّق آراء الناس، كانت نهايتهما غزوًا أجنبيًا. ووجد الغزو، في الحالتين، ترحيبًا كبيرًا من المواطنين. وقعت الحالة الأولى في نهاية الحقبة السنارية. وحتى لا نطيل في توصيف الأحوال التي جعلت المواطنين يرحبون بالغزو الخديوي، وجعلت غزو محمد علي باشا للسودان، مجرد نزهة، نورد ما ذكره سبولدينق في كتابه، “عصر البطول — أكثر

%d مدونون معجبون بهذه: