الرئيسية / الاخبار السياسية / نحو حرية اللا معتقد .. بقلم: د.أمل الكردفاني

نحو حرية اللا معتقد .. بقلم: د.أمل الكردفاني

 

لقد نصت المادة الثامنة عشر من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمعتمد عام 1948 على الآتي:

“لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره”

وقد نصت المادة 18 من العهد الدوى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:
(1. لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.
3. لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
4. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة).

ويلاحظ في هذه النصوص أنها تحدثت عن حرية المعتقد ، لكنها لم تشر ابدا لحرية اللا معتقد ، ورغم اننا نستطيع ان نستشف هذا المعنى من السياق العام للنصوص الا اننا كنا نفضل لو تمت الاشارة الى الحالة الفطرية الاولى التي يولد عليها الانسان وهي اللا معتقد ، اي تلك التي لا يخضع فيها العقل الانساني لأي مؤثر خارجي يوجهه نحو دين معين او عقيدة معينة . ونفضل النص على ذلك لعدة اسباب اهمها ، ان يكون النص تأكيدا على ان العقائد استثناء من الوضع الطبيعي للانسان ، ومن ثم يكون موقف اللا عقيدي هو الجدار الذي تستند عليه باقي الحريات المتصلة بقناعاتنا فيما وراء هذا الجدار ، ومن ثم تغليب العقلانية داخل النص القانوني. كما ان الاشارة الصريحة لحرية اللا عقيدة تمنع من التفاف المشرعين على هذه الحرية ومصادرتها عبر التأويل شديد الضيق والتعسف لنصوص القانون الدولي .
وبالنسبة للسودان فنحن نمتلك افضل دستور مر بالسودان فيما يتعلق بحماية حرية العقيدة واللا عقيدة ، فاولا نصت وثيقة الحقوق في المادة 27 على الآتي:
((3) تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة.
(4) تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة فى هذه الوثيقة ولا تصادرها أو تنتقص منها).

وثانيا ؛ نصت المادة 38 على الآتي:
(38- لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقاً لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يُكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية).

ورغم ذلك فيلاحظ وقوع المادة آنفة الذكر في نفس اشكالية النصوص الدولية وهي تجاهل حرية اللا عقيدة كأساس عقلاني تجريدي تقع خلفه المفاهيم الماورائية . وان كنا لا نتجاهل ان هذا يعني ان حرية اللا عقيدة متضمنة ضمنيا داخل النص اذا اعتبرنا ان اللا عقيدة موقفا ثابتا تجاه الغيبيات يحوله هو نفسه الى عقيدة .
رغم ما سبق الا ان القوانين (اي التشريعات البرلمانية) لم تحترم هذه الحماية الدولية والدستورية لحرية اللا عقيدة سواء بطريقة مباشرة كالقانون الجنائي لسنة 1991 او بطريقة اكراهية كقانون الأحوال الشخصية. فنجد ان المادة 126 بفقرتيها قد جرمت حالة العودة الى الفطرة والطزاجة الاولى للانسان اي الى اللا عقيدة . فالمادة 126 تنص على الاتي:
(126ـ (1) يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة.

(2) يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة فإذا أصرعلى ردته ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام.

(3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ).

اما الاكراه على الدين بشكل غير مباشر بل والتمييز على اساس ديني يقع انتهاكا لحرية اللا عقيدة في قانون الاحوال الشخصية في عدة مواد متفرقة ، فعلى سبيل المثال تنص المادة 19 منه على تحريم الزواج بالمرأة:
((هـ) التزوج بالمرأة، التى لا تدين بدين سماوى).
وهذا يعني تمييزا في الحقوق بدون مسوغ واكراها غير مباشر على اعتناق الدين ؛ فإما ان يتحول الرجل الى لا عقيدي او تتحول المرأة الى دين سماوي ، كما يلاحظ ان المادة استخدمت مصطلحا فضفاضا وهو مصطلح دين غير سماوي ولم تعرف ما هو الدين السماوي ، فهل مثلا تعتبر الديانة المندائية (الصابئة) دينا سماويا ام لا ، وما هو معيار سماوية الدين ان لم يكن المفهوم الذي طرحه الاسلام فقط ، وماذا عن طوائف اخرى كالأحمدية والبهائية وخلافه؟

بل أن المادة 114 من ذات القانون قد نصت في فقرتيها على انتهاك فاضح للمساواة في الحقوق والواجبات على اساس ديني :
(114ـ (1) يتبع المحضون خير الأبوين ديناً.

(2) إذا كانت الحاضنة على غير دين أب المحضون المسلم، فتسقط حضانتها بإكمال المحضون السنة الخامسة من عمره أو عند خشية إستغلالها للحضانة، لتنشئة المحضون على غير دين أبيه).
فعندما ينص القانون على جملة (خير الابوين دينا) فهو يضعنا في مأزق كبير وهي عملية المفاضلة بين دين وآخر بدون اي معايير ، فهذه الصياغة السيئة نتجت عن خوف المشرع من الحديث مباشرة عن ان الاسلام هو الافضل دينا ، والقى بالكرة الى ملعب القاضي الذي سيتحول الى باحث في اللاهوت ليعرف اي الأبوين افضل دينا وربما سينتظر وحيا يمنحه دلالة قاطعة على افضلية دين على دين ، فلنتخيل ان قاضيا قضى بأن المسيحية أفضل من الاسلام ، فهل سيكون ذلك مقبولا امام المحاكم الاعلى؟؟؟ وهل سيكون ذلك متفقا مع النية الضمنية للمشرع؟
اذا لماذا صاغ المشرع هذه الفقرة بهذا الاسلوب الطفولي والساذج والمستهجن في فن التشريع؟

ولم يتوقف قانون الأحوال الشخصية عند هذا الحد من انتهاك حرية العقيدة واللا عقيدة بل نجد أن المادة 236 قد نصت على الآتي:
(236ـ يشترط فى الولى أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، أميناً،قادراً على القيام بمقتضيات الولاية).
احدى السيدات الفاضلات والمحترمات جدا ؛ وهي قبطية تزوجت من مسلم ، وانجبت منه ثلاثة اطفال ، للأسف توفى زوجها ، ووفقا لقانون الأحوال الشخصية لم ترث من زوجها ، بل وتم نزع الحضانة منها والأنكى من ذلك منعت من الولاية على اموال اطفالها ، وهكذا تم القاؤها في الشارع لتستجدي الناس بعض المال وفوق هذا حرمانا من دفء احضان اطفالها . لولا ان قيض لها الحظ بعضا ممن قدموا لها يد العون .

ان ازمة حرية العقيدة واللا عقيدة يجب ان تناقش باستفاضة من قبل القوى الليبرالية والعلمانية بل وحتى الاسلامية والمسيحية واليهودية لتطوير مفاهيمنا كبشر للأديان وللحقوق والحريات والمواءمة بينها بحسب تطورنا في قيم الضمير الانساني ، فليس اكبر عيبا من ان تتمتع شعوب العالم برفاهية الضمير المستنير في حين نقبع نحن في الماضي وفي المفاهيم الدوغمائية التي لا تقبل اي محاولة للتجديد والتطوير .
ان اول تطور يمكن ان نتجه نحوه هو اقرار حرية اللا عقيدة قبل حرية العقيدة ، فمن هذه الرؤية تنبثق مبادئ عدلية أخرى لا تنهض الشعوب ولا تتقدم الدول الا بها كالمساواة أمام القانون متى ما تماثلت المراكز القانونية للافراد ، وكمبدأ فصل الدين عن الدولة وغير ذلك من مبادئ .

أمل الكردفاني

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////


Source link

%d مدونون معجبون بهذه: